دخلت العملة الأمريكية عام 2026 وهي تجر خلفها إرثًا ثقيلًا من الاضطرابات التي طغت على أدائها خلال العام الماضي، بعدما واجه الدولار موجة ضغوط متواصلة في 2025، بفعل تصاعد السياسات الحمائية والرسوم الجمركية التي تبنتها إدارة الرئيس دونالد ترمب، بالتزامن مع تحول لافت في توجهات الاحتياطي الفيدرالي نحو التيسير النقدي، عبر خفض أسعار الفائدة ثلاث مرات متتالية.
هذه الضغوط لم تكن اقتصادية بحتة، بل تداخلت مع مشهد سياسي شديد التعقيد، عكسته بوضوح نقاشات المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، حيث برزت مؤشرات غير مسبوقة على تصدع العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة وحلفائها التقليديين، في ظل تصعيد سياسي أعاد إلى الواجهة تساؤلات جوهرية حول مستقبل النظام الاقتصادي العالمي الذي تقوده واشنطن منذ عقود.
مغامرات ترامب
وخلال فعاليات المنتدى، فجّر الرئيس الأميركي موجة جديدة من الجدل بتصريحات هجومية تجاه أوروبا، مطالبًا إياها بتنازلات سياسية واقتصادية، ما أعاد ملف النزاعات التجارية والرسوم الجمركية إلى صدارة المشهد، ورسّخ من جديد مبدأ “أميركا أولًا” باعتباره البوصلة الأساسية للسياسة الاقتصادية الأميركية، حتى لو جاء ذلك على حساب توتر العلاقات مع الحلفاء.

وفي المقابل، بدا الرد الأوروبي والكندي هذه المرة أكثر وضوحًا وحدّة، إذ دعت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين علنًا إلى تقليص الاعتماد على الدولار، في إشارة صريحة إلى سعي القارة العجوز لإعادة رسم ملامح النظام النقدي العالمي، وهو توجه لاقى صدى في كندا، حيث عبّر رئيس الوزراء مارك كارني عن موقف مشابه يدعو إلى الحد من الهيمنة الأميركية على النظام المالي الدولي.
التاريخ يعيد نفسه
هذا الحراك أعاد إلى الأذهان محطات تاريخية مفصلية، بدأت باتفاقية بريتون وودز عقب الحرب العالمية الثانية، مرورًا بقرار الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون عام 1971 بفك ارتباط الدولار بالذهب، وصولًا إلى اللحظة الراهنة التي يبدو فيها هذا الإرث الطويل موضع اختبار حقيقي، وسط تصاعد الحديث عن نظام مالي عالمي متعدد الأقطاب.
ماليًا، تتقاطع هذه التوترات مع توقعات مؤسسات كبرى في وول ستريت ترجح استمرار ضعف الدولار خلال 2026، مستندة إلى احتمالات خفض الفائدة وتباطؤ الزخم الاقتصادي، مع تأكيدها في الوقت ذاته أن قوة الاقتصاد الأميركي والتضخم المستمر قد يشكلان صمام أمان يمنعان تراجعًا حادًا للعملة.
وفي هذا السياق، يتوقع بنك مورجان ستانلي استمرار الضغوط على الدولار خلال النصف الأول من العام، على أن تبدأ ملامح التعافي في الظهور خلال الربع الثاني، مع اقتراب نهاية السوق الهابطة، مشيرًا إلى أن تقلبات العملة ستظل مرتبطة بفروق أسعار الفائدة وارتفاع علاوة المخاطر المرتبطة بسوق العمل الأميركية.
أما جيه بي مورجان، فيتبنى رؤية أكثر توازنًا، إذ يرى أن القلق بشأن التوظيف سيضغط على الدولار، لكن متانة النمو الاقتصادي ستحد من أي هبوط حاد، متوقعًا ارتفاع الدولار مقابل الين الياباني تدريجيًا وصولًا إلى 164 ينًا بنهاية العام، في حين قد يلامس اليورو مستوى 1.20 دولار.
من جانبه، يتوقع بي إن بي باريبا أداءً متذبذبًا للعملة الأميركية، مشيرًا إلى أن تراجع تدفقات التحوط قد يضغط على الدولار، مقابل دعم محتمل من التدفقات الاستثمارية نحو الأسهم الأميركية، مدفوعة بازدهار قطاع الذكاء الاصطناعي.
وفي أوروبا، ترجح بعض البنوك تحسنًا محدودًا في أداء اليورو، مدعومًا بتوقعات نمو أقوى في منطقة اليورو والتوسع المالي في ألمانيا، غير أن تحذيرات مورجان ستانلي تظل قائمة بشأن إمكانية عودة الضغوط على العملات الأوروبية حال خفض المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا أسعار الفائدة.
الأسواق الناشئة
وفي المقابل، يفتح ضعف الدولار المحتمل الباب أمام مكاسب أوسع للأسواق الناشئة، حيث يرى ستاندرد تشارترد أن تراجع العملة الأميركية وخفض الفائدة يوفران بيئة داعمة للأصول مرتفعة المخاطر، وهو ما يتفق معه باركليز الذي يراهن على تفوق أسهم الأسواق الناشئة بفضل تقييماتها الجذابة.
كما يتوقع يو بي إس استفادة عملات مثل الدولار الأسترالي والكرونة النرويجية من اتساع شهية المخاطرة، في وقت ترى فيه فرانكلين تمبلتون أن الأصول المقومة بالعملات المحلية خارج الولايات المتحدة ستكون من أبرز المستفيدين.
وعلى الجانب الآخر، تبرز آراء مغايرة، إذ تتمسك سيتي جروب بنظرة أكثر تفاؤلًا، معتبرة أن الضغوط على الدولار ذات طابع دوري، مع توقعها عودة الزخم الاقتصادي الأميركي في النصف الأول من 2026، ما قد يدفع اليورو للتراجع مجددًا إلى مستويات 1.10 دولار.
وتتلاقى هذه الرؤية مع تحليل دويتشه بنك الذي يرى أن الدولار سيحافظ على قدر من الاستقرار بدعم من قوة سوق الأسهم الأميركية، والتدفقات المرتبطة بقانون ترمب الضريبي، والهدوء النسبي في التوترات التجارية مع الصين، إلى جانب الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، مع التحذير في الوقت نفسه من أن ارتفاع الدين العام والتساؤلات حول استقلالية الاحتياطي الفيدرالي قد تعيد الضغوط إلى الواجهة، لتظل العملة الأميركية عالقة بين صمود اقتصادي وتحولات جيوسياسية عميقة قد تعيد رسم خريطة النظام المالي العالمي.








