في خطوة خالفت التوقعات رغم الاتجاه العام لخفض أسعار الفائدة في مصر، اتجهت بنوك كبرى لرفع العائد على حسابات الادخار والودائع ذات الأرصدة المرتفعة، وذلك في إطار منافسة شرسة لاقتناص سيولة كبار العملاء. وتصدرت بنوك “الأهلي” و”مصر” و”قطر الوطني” و”أبو ظبي الإسلامي” و”العربي الأفريقي” المشهد عبر تقديم مزايا استثنائية لأصحاب المحافظ المليونية، بهدف تأمين مصادر تمويلية أقل تكلفة وأكثر استقراراً مقارنة بالشهادات التقليدية، خاصة بعد وقف إصدار الأوعية الادخارية فائقة العائد التي جذبت تريليونات الجنيهات سابقاً.
وتكشف خريطة العوائد الجديدة عن تحولات استراتيجية؛ حيث رفع بنك مصر الفائدة على حساب “سوبر كاش” لتصل إلى 17% للمبالغ التي تتجاوز 250 مليون جنيه، بينما طرح البنك العربي الأفريقي وديعة “Bullet 18” بعائد تراكمي يبلغ 22% بنهاية المدة (18 شهراً) وبحد أدنى مليون جنيه. وفي ذات السياق، احتفظ بنك أبو ظبي الإسلامي بعائد تنافسي يصل إلى 18.25% على حساب “الغني بلس” وبـ 19% على الصك المتغير للأرصدة الكبيرة، ما يعكس رغبة البنوك في تحفيز العملاء على زيادة مدخراتهم عبر نظام “التسعير التدريجي” الذي يمنح ميزة أعلى كلما ارتفعت الشريحة الادخارية.
وأرجع مصرفيون هذا التوجه إلى سعي البنوك لخفض تكاليف التشغيل والأموال معاً، حيث يتميز كبار العملاء بالاعتماد على القنوات الرقمية واستقرار سيولتهم، مما يوفر للبنك مرونة أكبر في تلبية طلبات الائتمان المتزايدة. وأوضح الخبراء أن منح فوائد تصل لـ 19% لهذه الشريحة يعد أقل كلفة على ميزانيات البنوك من الاقتراض بأسعار متغيرة أو إصدار سندات مكلفة، فضلاً عن كونها خطوة تدعم نسب الاستقرار التمويلي وفقاً لمتطلبات لجنة “بازل” للرقابة المصرفية، مما يعزز كفاية رأس المال ويقلل فجوات السيولة.
ولا تقتصر المنافسة على العائد المادي فحسب، بل تمتد لتشمل حزمة خدمات “VIP” تتضمن حدوداً ائتمانية مرتفعة للبطاقات، والدخول لصالات كبار الزوار بالمطارات، وتخصيص مدير علاقات شخصي لإدارة التعاملات. ويمثل هذا التحول الاستراتيجي ذكاءً إدارياً في التعامل مع متغيرات السوق، حيث تهدف المصارف حالياً لاستقطاب “المدخرات المستقرة” التي تمنحها قدرة أعلى على التوظيف الاستثماري والتمويلي، محولةً العلاقة مع كبار المودعين إلى استثمار طويل الأمد يضمن تدفق العمولات والأتعاب بجانب الفوائد.








